الجيل الأول من الإنترنت (Web1)
من الصفر إلى الفهم — كيف بدأ كل شيء؟ ما هي مميّزات ومشاكل Web1؟ وكيف كان الناس يتعاملون مع الإنترنت في تلك الفترة؟
هذا الدليل مكتوب للمبتدئ والمحترف معًا، بلغة بسيطة وأمثلة واضحة.
مقدّمة: قبل فيسبوك ويوتيوب... كان هناك Web1
تخيّل إنترنت بدون فيسبوك، بدون يوتيوب، بدون تعليقات أو لايكات، ولا حتى أزرار مشاركة. تخيّل أنك تدخل إلى موقع فتجد فقط نصوصًا وصورًا ثابتة، تقرأ ثم تغادر، بدون أن تترك أي أثر. هذا بالضبط هو الجيل الأول من الإنترنت — Web1.
فهم Web1 مهم لأي شخص يريد فهم تطوّر الويب وصولًا إلى Web3 والعملات الرقمية وDeFi وNFTs. عندما تعرف من أين بدأت القصة، تصبح قادرًا على رؤية الصورة كاملة: كيف انتقلنا من صفحات صامتة إلى عالم تفاعلي، ثم إلى عالم اللامركزية والملكية الرقمية.
ما هو الجيل الأول من الإنترنت (Web1)؟
Web1 هو الاسم الذي نطلقه اليوم على الجيل الأول من شبكة الويب، تقريبًا من 1991 إلى حدود 2003–2004. كان الويب في تلك الفترة عبارة عن:
- صفحات ثابتة مكتوبة بـ HTML بسيط.
- محتوى يُنشئه أصحاب المواقع فقط (شركات، جامعات، أفراد تقنيون).
- لا تعليقات، لا لايكات، لا مشاركات، ولا محتوى يولّده المستخدم (UGC).
- تجربة أحادية الاتجاه: صاحب الموقع يتكلم — والزائر يقرأ فقط.
مهم: لا يوجد تاريخ "رسمي" لانتهاء Web1، لكن أغلب الباحثين يعتبرون بداية Web2 مع صعود المدونات، وفيسبوك، وYouTube بين 2003–2005 تقريبًا.
كيف كانت تُبنى مواقع Web1 تقنيًا؟
أغلب المواقع في Web1 كانت عبارة عن ملفات .html يكتبها المبرمج أو صاحب الموقع، ثم يرفعها إلى السيرفر عبر FTP. لا قواعد بيانات، لا لوحات تحكم WordPress، لا بلوجر، ولا شبكات اجتماعية.
- استعمال HTML فقط في البداية، ثم أضيفت بعض لمسات CSS لاحقًا.
- استخدام صور بسيطة بأحجام صغيرة بسبب بطء الإنترنت.
- أحيانًا استخدام جداول (Table) لتنظيم التصميم بدل الأنظمة الحديثة.
- عدم وجود JavaScript متقدم كما نراه اليوم، بل أكواد بسيطة جدًا إن وُجدت.
لو أردت أن تنشر فكرة أو مقالة في تلك الفترة، كان عليك أن تتعلم HTML ورفع الملفات بنفسك — لا يوجد محرر تدوين سهل مثل بلوجر أو ووردبريس.
أمثلة على مواقع ومشاريع من الجيل الأول
هذه بعض الأمثلة التي توضّح طبيعة Web1 وكيف كانت المنصات تعمل في ذلك الوقت:
Yahoo! (دليل مواقع)
لم يكن محرك بحث ذكيًا كما نعرفه الآن، بل دليل يدوي للمواقع. فريق من الموظفين يضيفون المواقع إلى قوائم وفئات يدوياً، والمستخدم يضغط ليتصفح.
GeoCities وHomestead
منصات قديمة تسمح لك بإنشاء صفحة شخصية بسيطة. النتيجة: مواقع مليئة بالألوان والصور المتحركة (GIFs) لكن تظل صفحات ثابتة وبسيطة جدًا.
مواقع الشركات والجرائد
شركة أو جريدة تطبع محتوى في موقعها: معلومات التواصل، نبذة عن الشركة، بعض الأخبار، وربما تحديثات أسبوعية أو شهرية، بدون تعليقات أو تفاعل من الزوار.
نسخ مبكرة من Google وAmazon
Google في بدايتها كانت صفحة بيضاء بسيطة جداً مع مربع بحث فقط. Amazon كان متجر كتب بواجهة نصية، لا مراجعات من المستخدمين، ولا الكثير من التفاعل.
كيف كان يتعامل الناس مع Web1 في حياتهم اليومية؟
المستخدم في Web1 كان يعيش تجربة بسيطة جدًا مقارنة بما نعرفه اليوم. الخطوات تقريبًا كالتالي:
- فتح المتصفح (Netscape، Internet Explorer...).
- كتابة رابط موقع يعرفه أو الدخول عبر صفحة رئيسية (Yahoo، MSN...).
- قراءة الأخبار، معلومات، مقالات، أو عروض منتجات.
- إذا أراد أن يشارك صفحة مع صديق → ينسخ الرابط ويرسله عبر البريد الإلكتروني.
- لا لايك، لا تعليق، لا مشاركة بنقرة واحدة، ولا "منشور جديد" كما نرى اليوم.
باختصار: في Web1 نحن نقرأ فقط. لا ننشر بسهولة، لا نتفاعل، لا نبني مجتمعًا من داخل الموقع نفسه. هذه الفجوة هي التي فتحت الباب للجيل الثاني Web2.
المشاكل والتحديات في الجيل الأول من الإنترنت
هذه أهم المشاكل التي جعلت Web1 غير كافٍ ودفعَت نحو ظهور Web2:
- انعدام التفاعل: لا تعليقات، لا تقييمات، لا مشاركة رأي مباشرة من الزوار داخل المواقع.
- صعوبة إنشاء المحتوى: الشخص العادي لا يستطيع إنشاء موقع بسهولة — يحتاج لتعلّم HTML ورفع ملفات.
- محتوى ثابت: أغلب الصفحات لا تتغيّر إلا عندما يقوم صاحب الموقع بالتعديل يدويًا.
- اكتشاف صعب للمواقع: في البدايات لم تكن محركات البحث متطورة؛ الاعتماد كان على دلائل يدوية وروابط من مواقع أخرى.
- سرعات إنترنت بطيئة: اتصال Dial-up يعني صفحات خفيفة جدًا، وصور قليلة، ولا وجود للفيديو تقريبًا.
- تجربة مستخدم محدودة: لا تخصيص للمحتوى حسب المستخدم، لا تسجيل دخول في أغلب المواقع، ولا ملفات شخصية حقيقية.
- سيطرة البوابات: بوابات مثل AOL وMSN كانت تتحكم في ما يراه المستخدم أولاً، لأن الناس لا يحفظون الكثير من الروابط.
هذه القيود فتحت باب السؤال الكبير: كيف نجعل المستخدم جزءًا من الإنترنت وليس مجرد قارئ؟ الجواب كان: Web2 — جيل التدوين، المنتديات المتقدمة، الشبكات الاجتماعية، والمحتوى الذي يصنعه المستخدم.
ماذا نتعلّم من Web1؟ ولماذا يهمّك اليوم؟
قد تتساءل: "جميل، فهمت Web1، لكن ما الفائدة اليوم وأنا أعيش في عالم Web2 وWeb3؟"
- فهم تطوّر الويب: عندما تعرف أن Web1 كان قراءة فقط، تدرك قيمة Web2 (التفاعل) وقيمة Web3 (الملكية واللامركزية).
- رؤية الفرص: كل جيل جديد من الويب وُلد بسبب مشاكل في الجيل السابق. اليوم Web3 يحاول حل مشاكل Web2 مثل مركزية المنصات وسيطرة الشركات الكبرى على البيانات.
- تقدير بساطة البداية: مشاريع عملاقة اليوم (مثل Google وAmazon) بدأت كمواقع بسيطة جدًا في عالم Web1. هذا يذكّرك أنه يمكنك أنت أيضًا أن تبدأ بشكل بسيط وتكبر مع الوقت.
- التمييز بين الضجة والحقيقة: عندما ترى "موضة" تقنية جديدة، يمكنك أن تسأل: ما المشكلة التي تحاول حلّها؟ كما فعل Web2 بعد Web1، وWeb3 بعد Web2.
كمسوّق، مستثمر، أو شخص مهتم بالويب، فهم Web1 يعطيك أساسًا عقليًا قويًا لفهم النقاشات الحالية حول Web3، DeFi، وDAO… إلخ.
أسئلة سريعة عن Web1 (للمبتدئ والمحترف)
هل Web1 كان بلا فائدة؟ +
هل ما زالت مواقع Web1 موجودة اليوم؟ +
ما الفرق في جملة واحدة بين Web1 و Web2؟ +
خاتمة: البداية التي صنعت كل شيء
الجيل الأول من الإنترنت Web1 قد يبدو اليوم بسيطًا جدًا، لكن بدون تلك البداية المتواضعة لم نكن لنصل إلى عالم التطبيقات الذكية، المنصات الاجتماعية، أو حتى عالم Web3 والبلوكشين.
عندما تفهم Web1، لن ترى الإنترنت كشيء عشوائي ظهر فجأة، بل كقصة تطوّر منطقية: من صفحات صامتة → إلى تفاعل كامل → إلى ملكية ولامركزية.
في الجزء القادم، يمكننا الغوص في الجيل الثاني Web2: كيف ظهرت المدونات، المنتديات المتقدمة، فيسبوك، يوتيوب، كيف أصبح المستخدم هو من يصنع المحتوى، وما المشاكل الجديدة التي ظهرت وجعلت العالم يحتاج Web3.
إذا أحببت هذا الشرح، يمكننا الآن بناء صفحة مماثلة للـ Web2، ثم Web3، ثم ربطها بشرحك لمشاريعك في عالم الكريبتو والـDAO.
