الجيل الثاني من الإنترنت — Web2
منصة، بيانات، وإعلانات تلاحقك
في الجيل الأول من الإنترنت كنتَ تدخل موقعًا، تقرأ ما فيه، ثم تخرج بهدوء.
لا أحد يعرف من أنت، ولا ماذا تحب، ولا ما الذي تفكّر فيه.
أما في الجيل الثاني Web2 فكل ضغطة، وكل بحث، وكل ثانية تتوقّف عندها على فيديو… تتحوّل إلى بيانات تُباع وتُشترى،
وإلى إعلانات تلاحقك في كل منصة. في هذا الشرح سنفهم معًا: كيف يعمل Web2؟ من أين تربح الشركات؟ وكيف تُستَغل بياناتنا؟
وما هي المشاكل التي دفعت العالم للتفكير في Web3؟
1. ما هو الجيل الثاني من الإنترنت (Web2)؟
Web2 هو الجيل الذي تحوّل فيه الإنترنت من:
“اقرأ فقط” (Read Only)
إلى
“اقرأ + اكتب + شارك + تفاعل” (Read–Write–Share)
لم تعد مجرد متفرّج يزور صفحة ثابتة، بل أصبحت:
- تنشر منشورات وصورًا وفيديوهات على السوشيال ميديا.
- تكتب مقالات على بلوجر أو منصّات التدوين.
- تعلّق، تعمل لايك، تشارك، تشترك في قنوات.
المنصات في Web2 (مثل فيسبوك، يوتيوب، إنستغرام، تويتر، بلوجر، ووردبريس…) هي الوسيط الذي يجمع بين:
وبالمقابل تمنحك خدمات “مجانية”… لكن الثمن الحقيقي يكون من بياناتك ووقتك وانتباهك.
2. متى بدأ الجيل الثاني؟ (خط زمني مختصر)
ليس هناك تاريخ رسمي واحد، لكن تقريبًا يمكن رسم الخط الزمني التالي:
- 2003–2004 بداية انتشار مصطلح Web2 وظهور المدونات (Blogger، WordPress).
- 2004 انطلاق Facebook (في البداية داخل الجامعات فقط).
- 2005 إطلاق YouTube، وبداية ثورة الفيديو على الإنترنت.
- 2006 ولادة Twitter (X حاليًا).
- 2007–2010 انتشار الهواتف الذكية (iPhone، Android) وتطبيقات السوشيال ميديا.
- من 2010 إلى اليوم Web2 أصبح “الإنترنت الطبيعي” الذي نستخدمه يوميًا.
اليوم نعيش مزيجًا من Web2 + بدايات Web3. لم ينتهِ Web2 بعد، لكنه بدأ يكشف حدوده ومشاكله.
3. ما الذي يميز Web2 عن Web1؟
- مواقع ثابتة، صاحب الموقع يكتب والمستخدم يقرأ فقط.
- لا توجد تعليقات، لا لايكات، لا مشاركات.
- محتوى يُنشئه “الناشر” فقط.
- أي شخص يمكن أن يكون منشئ محتوى (Creator).
- تعليقات، إعجابات، مشاركات، بث مباشر، قصص (Stories)…
- منصات ضخمة تجمع ملايين المستخدمين في مكان واحد.
باختصار:
Web1 = مواقع
Web2 = منصّات + مجتمعات + محتوى من المستخدم نفسه
4. من أين تجني شركات Web2 الأموال؟
هناك عدة مصادر أساسية لربح شركات Web2:
1) الإعلانات الموجّهة (Targeted Ads)
- فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب، تيك توك، تويتر… تعتمد بشكل ضخم على الإعلانات.
- تجمع المنصة بيانات عن سلوكك: ماذا تشاهد، ماذا تنقر، كم تبقى في الفيديو، ماذا تبحث.
- تكوّن عنك “ملفًا شخصيًا” (Profile) يصف اهتماماتك وعمرك التقريبي وقدرتك الشرائية.
- تبيع للمعلنين القدرة على استهداف هذا الملف: “أريد رجال 18–35 سنة مهتمين بالكريبتو والتجارة الإلكترونية في المغرب والخليج”.
2) العمولات والعمليات (Transactions)
- متاجر مثل Amazon، AliExpress، Temu، eBay تربح من:
- عمولة على كل عملية بيع تتم داخل المنصة.
- خدمات إضافية مثل: الشحن السريع، اشتراك Prime، التخزين للبائعين.
3) الاشتراكات والخدمات (SaaS / Subscription)
- منصات مثل: Netflix، Zoom، Shopify، منصات تعليمية…
- تبيعك اشتراكًا شهريًا أو سنويًا مقابل الخدمة (بث فيديو، استضافة متجر، أدوات احترافية…).
4) بيع البيانات بشكل مباشر أو غير مباشر
- بعض الشركات تبيع بيانات مجمّعة وتحليلات (ماذا يحب الناس؟ ماذا يشترون؟ ما التوجهات؟).
- فضائح مثل Cambridge Analytica أظهرت كيف يمكن استغلال بيانات المستخدمين سياسيًا وإعلانيًا بشكل خطير.
5. كيف تتحكم شركات Web2 في بياناتنا؟
الشركات لا تدير فقط التطبيق أو الموقع، بل تدير “آلة ضخمة” لجمع وتتبع وتحليل البيانات:
- تسجيل الدخول عبر منصات أخرى: الدخول بحساب Google أو Facebook يربط نشاطك في مواقع مختلفة بهويتك.
- الكوكيز وملفات التتبع (Cookies): ملفات صغيرة تُخزَّن في متصفحك لمعرفة المواقع والمنتجات التي زرتها.
- أكواد التتبع مثل Facebook Pixel: كود يُزرع في المتاجر والمواقع يخبر فيسبوك بما فعلته (زرت صفحة، أضفت منتجًا إلى السلة، اشتريت…).
- هوية الجهاز (Device ID): هاتفك له هوية إعلانية تُستخدم لتتبعك بين التطبيقات.
- البيانات التي تعطيها بنفسك: الإيميل، رقم الهاتف، الاهتمامات، الصفحات التي تتابعها، ما تكتبه في خانة البحث… كلها جزء من الصورة.
Web2 هو جيل البيانات الضخمة Big Data؛ كل حركة صغيرة تترك “أثرًا رقميًا” يمكن قراءته وتحويله إلى مال.
6. مثال واقعي: تبحث في متجر… فتطاردك الإعلانات
تخيّل هذا السيناريو الذي نعيشه كل يوم:
- تدخل إلى AliExpress أو Amazon أو Temu.
- تبحث عن ساعة، سماعات، هاتف… تتصفّح عدة منتجات، وربما تضيف واحدًا إلى السلة.
- لا تشتري شيئًا، وتغلق المتجر.
- بعد ساعة تفتح فيسبوك أو إنستغرام… فتجد الإعلانات كلها عن ساعات وسماعات وهواتف تشبه ما كنت تبحث عنه!
كيف يحدث ذلك؟
- المتجر يستخدم Facebook Pixel أو كود تتبّع مشابه.
- عند زيارتك للمنتجات، يُرسل المتجر إشارة إلى فيسبوك تقول: “هذا المستخدم مهتم بهذه الأنواع من المنتجات”.
- فيسبوك يضعك في شريحة إعلانية (Audience) خاصة بالمهتمين بهذه المنتجات.
- عندما يطلق بائع حملة إعلانية تستهدف هذه الشريحة… أنت تصبح هدفًا للإعلان.
تظن أن المنصة “تقرأ أفكارك”، بينما هي تقرأ سلوكك الرقمي بدقة عالية جدًا.
7. مثال المكالمة: تتحدث عن موضوع… فتظهر لك إعلاناته
تتحدّث مع صديقك أو مع أحد أفراد العائلة عن: التجارة الإلكترونية، البرمجة، التصميم، الطباعة عند الطلب…
تنتهي من المكالمة، تفتح فيسبوك… فتجد:
- إعلانات كورسات تجارة إلكترونية.
- منشورات عن تعلّم البرمجة.
- فيديوهات عن التصميم والـGraphic Design.
هل يعني هذا أن فيسبوك يستمع لكل مكالماتك؟
الجواب المعقّد:
- هناك جدل كبير حول صلاحيات المايكروفون وبعض التطبيقات، لكن حتى بدون “التنصّت المباشر” المنصات تعرف عنك الكثير:
- تاريخ بحثك في جوجل واليوتيوب.
- نوع الصفحات التي تتابعها.
- ما يتصفّحه أصدقاؤك ومن هم يشبهونك.
- ما كتبته من قبل في المحادثات أو في خانة البحث.
المنصّة لا تحتاج دائمًا أن “تسمعك” لتتوقّع ما الذي تفكّر فيه؛ هي تستخدم بياناتك السابقة + بيانات من يشبهونك لتخمين اهتماماتك بدقة.
8. المشاكل والسلبيات الأساسية في Web2
رغم أن Web2 أعطانا تواصلًا وفرصًا ضخمة، إلا أنه يحمل مشاكل حقيقية:
شركات قليلة تتحكم في أغلب الإنترنت: Google، Meta، TikTok، Amazon. يمكنها إغلاق حسابك أو تقليل وصولك في أي وقت.
نموذج “رأسمالية المراقبة”: تجميع كل ما يمكن عنك ثم تحويله إلى أرباح عبر الإعلانات وبيع التحليلات.
تسريبات واختراقات وفضائح مثل Cambridge Analytica أظهرت أن بيانات المستخدم يمكن استغلالها سياسيًا وتجاريًا.
الخوارزميات مصممة لتجعلك تبقى أطول: سكرول لا نهائي، إشعارات مستمرة، محتوى مصمم لشدّ الانتباه.
ترى دائمًا محتوى يشبه ما تحب وتوافق عليه، فلا ترى الطرف الآخر، وهذا يخلق سوء فهم وتطرّفًا في بعض المواضيع.
أي تغيير في خوارزميات يوتيوب أو فيسبوك يمكن أن يدمّر وصول قناة أو صفحة، حتى لو كانت تملك مئات الآلاف من المتابعين.
9. قصة حقيقية: Cambridge Analytica وبيانات فيسبوك
ما هي Cambridge Analytica؟
هي شركة تحليل بيانات عملت على حملات سياسية كبيرة، أشهرها الانتخابات الأمريكية 2016 واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit).
ما الذي حدث؟ (مختصر مبسّط)
- تم تطوير تطبيق على فيسبوك يقدّم نفسه كـ “اختبار شخصية” بسيط.
- المستخدم الذي يوافق على استخدام التطبيق يعطيه صلاحية الوصول إلى:
— بياناته الشخصية
— وبيانات أصدقائه أيضًا (حسب نظام الصلاحيات السابق في فيسبوك). - بهذه الطريقة جمعت الشركة بيانات عشرات الملايين من الحسابات دون وعي مباشر من أصحابها.
- تم استخدام هذه البيانات لبناء ملفات نفسية (Psychographic Profiles) لمستخدمين، ومعرفة:
— ما يخافون منه
— ما الذي يغضبهم
— ما الذي يؤثر فيهم. - ثم صُمِّمت إعلانات ورسائل سياسية مخصصة لفئات معيّنة لتوجيه رأيهم أو تحفيزهم على التصويت بطريقة معيّنة.
لأنها مثال واضح على أن:
✔ بياناتك ليست مجرد “إعلانات منتجات”
✔ يمكن استخدامها للتأثير على رأيك، قراراتك، وحتى الانتخابات في دول كاملة
✔ Web2 أعطى قوة هائلة لمن يملك البيانات + خوارزميات التحليل
10. كيف تحمي بياناتك قدر الإمكان داخل Web2؟ (نصائح خصوصية)
لا نستطيع الهروب من Web2 تمامًا، لكن يمكننا تقليل الأثر وحماية أنفسنا نسبيًا:
- راجع صلاحيات التطبيقات: لا تعطي أي تطبيق صلاحيات زائدة (مايك، كاميرا، موقع… إذا لم يكن ضروريًا).
- تجنّب تسجيل الدخول بحساب فيسبوك/جوجل في كل موقع: استخدم بريدًا منفصلًا وكلمة مرور خاصة بدل ربط كل شيء معًا.
- احذف الكوكيز بشكل دوري: يمكن ذلك من إعدادات المتصفح، أو استعمال متصفحات تركّز على الخصوصية.
- استعمل متصفحًا ووضعًا خاصًا لبعض الأنشطة: مثل متصفح Brave أو Firefox مع إضافات منع التتبع.
- انتبه لما تنشره علنًا: كل صورة، كل منشور، كل تعليق… يبقى موجودًا ويمكن أن يُستخدم ضدك يومًا ما.
- راجع إعدادات الخصوصية في المنصات: عطّل التتبع الإعلاني عندما يكون ذلك ممكنًا، وحدّد من يرى منشوراتك.
أي خدمة “مجانية” في Web2 اسأل نفسك: ما الذي أدفعه مقابل هذه المجانية؟ غالبًا الجواب هو: وقتي + انتباهي + بياناتي.
11. كيف يستغل المسوّق الذكي Web2 لصالحه… دون أن يستغل الناس؟
Web2 أعطى للمسوّقين قوة ضخمة: استهداف دقيق، تتبع، إعادة استهداف، تحليلات متقدمة… لكن هذه القوة يمكن أن تُستخدم بطريقتين:
- إما: استغلال الناس، اللعب على مخاوفهم وجهلهم، بيع أوهام وخداع.
- أو: استعمال نفس الأدوات لبناء علاقة ثقة وتقديم قيمة حقيقية.
أخلاقيات المسوّق الذكي في Web2:
- يستخدم الاستهداف الإعلاني ليصل إلى من يحتاج فعلاً إلى خدمته، لا ليضغط على الأضعف.
- يكون واضحًا في العروض، لا يَعِد بأرباح خيالية أو نتائج مضمونة بدون مخاطرة.
- يحترم خصوصية عملائه، ولا يبيع بياناتهم ولا يشاركها مع أطراف مشبوهة.
- يركّز على بناء ثقة طويلة المدى بدل الربح السريع من عملية واحدة.
- يقدّم محتوى تعليميًا يساعد المتابع أن يفهم قبل أن يشتري.
المسوّق العادي يستغل قوة Web2 ليضغط على الناس؛
المسوّق المحترف يستغل نفس القوة ليبني منظومة نزيهة من الربح المشترك والثقة المتبادلة.
12. كيف مهّد Web2 لظهور Web3؟
بعد سنوات من سيطرة Web2 ظهرت أسئلة كبيرة في المجتمع التقني والمالي:
- لماذا لا يملك المستخدم بياناته وأصوله الرقمية؟
- لماذا يستطيع زر واحد في شركة أن يغلق حسابًا أو يحجب قناة بالكامل؟
- هل يمكن بناء إنترنت لامركزي، لا يسيطر عليه طرف واحد، وتكون فيه الملكية والمكافآت أوضح وأكثر عدلًا؟
من هنا ظهرت أفكار:
ليست هذه مجرد “موضة”، بل رد فعل منطقي على مشاكل Web2: مركزية، استغلال بيانات، هشاشة صناع المحتوى، وضعف ملكية المستخدم لحسابه وأصوله.
الجيل الثاني من الإنترنت Web2 هو الجيل الذي سمح لنا أن نصنع محتوى، نبني جمهورًا، نتعلّم، نعمل عن بُعد، ونغيّر حياتنا عبر السوشيال ميديا والمنصّات. لكنه في نفس الوقت جعل بياناتنا، ووعينا، ووقتنا جزءًا من آلة أرباح ضخمة تملكها شركات قليلة.
عندما تفهم Web2 بعمق، لن تتفاجأ عندما ترى إعلانًا يطاردك بعد زيارة متجر، ولن تستغرب عندما تشعر أن المنصّة “تعرف ما تفكر فيه”. ستفهم أن المجانية في Web2 لها ثمن حقيقي.
وهنا يأتي دور Web3 ومشاريع اللامركزية و الـDAO: محاولة بناء إنترنت جديد تكون فيه أنت:
✔ شريكًا لا مجرد منتج
✔ مالكًا لبياناتك وأصولك الرقمية
✔ مستفيدًا من القيمة التي تساهم في خلقها
فهم Web2 خطوة أساسية قبل دخول Web3… ومن يفهم التاريخ، يعرف أين يضع خطواته القادمة.
